فؤاد سزگين

89

تاريخ التراث العربي

هذا ويقتضى ، كما سبق وافترض برتلو ، أن يكون المصحف قد ترجم عن اللغة اليونانية ، مثله في ذلك كمثل كل الكتب السيميائية الأخرى التي تبدو في المخطوطات أو في الاقتباسات على أنها ترجمات عن اللغة اليونانية . كذلك فلقد صرح روسكا نفسه عام 1929 م - أي قبيل أقل من سنتين من نشره للمصحف - بما يلي : « إن تصحيف أسماء الأعلام وأسماء المواد العربية يؤكد أن « المصحف » ما هو إلا ترجمة أو إعادة لكتاب عربي ، لكن ألا يحتمل أن يكون هذا الكتاب قد أخذ عن اللغة اليونانية ؟ فالنقص في العناصر الشرقية ، والأسماء الكثيرة التي لا يمكن تفسيرها على أنها مأخوذة عن اللغة العربية ، كل هذا يقوي هذا الظن » « 1 » . ومن الأسباب التي ساقها روسكا في هذا الشأن ، سبب مفاده أن المؤلف لم يذكر مرجعا عربيّا واحدا ( كيمياء chimie ج 1 ص 255 ) . ويمكننا ، استرسالا مع هذه الفكرة ، أن نطرح السؤال التالي : لماذا لم يذكر المؤلف زوسموس بكلمة واحدة مع أنه بلا شك - كان أشهر وأغزر سيميائي مفكر ، كتب باللغة اليونانية ؟ بل ولم لم يذكر المؤلف « 2 » حتى بعض السيميائيين اليونان المحدثين الآخرين من أمثال : أوليمبيودوروس olympiodoros أو اسطفانوس ؟ وهل من الإنصاف أن توصف هذه الظاهرة - كما فعل ذلك روسكا في ( المصدر السابق المذكور له ص 276 ) - على أنها سكوت متعمد ؟ هذا ولا يقتصر الأمر هنا على أسماء لا توجد في المصحف أصلا فحسب ، بل حتى فيما يتعلق بالمحتوى يمكن التأكد من أن المرحلة التي وصلت إليها السيمياء إبان زوسموس لم يعرفها مؤلف المصحف قطعا ، فالقسم الأعظم من المقالات والتعاليم الموجودة في المصحف يمكن العثور عليه في الرواية اليونانية ، كما أكد ذلك برتلو وكما بين روسكا في ملاحظاته على ترجمة المصحف ، أما الجزء المتبقي من

--> ( 1 ) جابر في كتاب : d iegrobenchemiker ( الكيميائيون العظام ) ص 26 . ( 2 ) وليس هناك ما يبرر - في رأيي - اعتبار الكلمات المصحفة والمحرفة أسماء لكيميائيين أحدث ( أي أحدث من الزمن الذي افترضته لنشأة مصحف الجماعة ) .